افتتاحية العدد الأول
بروميثيوس ونار المعرفة: في دلالات الاسم وسياقات التأسيس
يسر هيئة تحرير مجلة "بروميثيوس للدراسات والأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية" أن تضع بين يدي القراء والباحثين والأكاديميين العدد الأول من هذه الدورية العلمية المحكمة. وإذ نطل بهذا الإصدار على المجتمع العلمي والأكاديمي المحلي والعربي والدولي، فإنه يحق لنا، بل من واجبنا، أن نتوقف لحظة تأمل أمام التسمية التي اخترناها لهذا المشروع المعرفي، ففي هذا الإسم تتكثف فلسفة المجلة ورؤيتها، وتنعقد فيه جذور التأسيس وأهدافه. إن اختيار اسم "بروميثيوس" لمجلة علمية محكمة في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية ليس من باب الصدفة المحضة، أو مجرد استحضار لخطاب ميثولوجي يراد منه الفذلكة البلاغية، بقدر ما هو اختيار محكوم بمنطق أكاديمي ومعرفي ينهض على خلفيتين أساسيتين: خلفية ذاتية نابعة من خصوصية تجربتنا الفكرية والثقافية، وخلفية موضوعية تستند إلى دلالات الشخصية في بنية الفكر الإنساني.
فمن حيث الخلفية الأولى، يعود أصل هذه التسمية إلى علاقتنا الطويلة والممتدة مع النص الميثولوجي الإغريقي؛ علاقة تجاوزت حدود القراءة العابرة المنبهرة إلى فضاءات التمثل والتأويل على مدى ربع قرن من الزمن، إذ ظلّ عالمي الميثولوجي، منذ البدايات، فضاء خصبا للتفكير في مصير الإنسان، وفي توتر العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين الطاعة والتمرّد، وبين الجهد الإنساني المحدود والمتخيَّل الأسطوري اللامحدود. قراءاتنا في المتن الإغريقي لم تكن منشغلة ببطولات الآلهة الأولمبية بقدر انشغالها بالشخصيات الهامشية، أو لنقل الشخصيات "المضادة" في الخطاب الميثولوجي السائد، حيث كانت القراءة تتجه، وبشكل خاص، نحو تلك الشخصيات الأسطورية التي عانت من تعسف سلطة الآلهة، وجزاءاتها القاسية، ليس بسبب خطيئة أخلاقية اقترفتها، وإنما غيرة منها وعقابا على تميزها المعرفي، أو منافستها للسلطة الإلهية على مستوى العطاء الإنساني. إنها في الواقع، قراءة في ظلم "حكام الأولمب" لمن تجرأ على امتلاك المعرفة أو منحها للإنسان. في قلب هذا الحقل الدلالي، وضمن هذا الأفق الرمزي، يبرز التيتان بروميثيوس الذي استأثر اسمه بمكانة خاصة في وجداني الفكري، بوصفه النموذج الأسمى للعدالة الميثولوجية، ورمزا أنطولوجيا للانحياز إلى الإنسان في مواجهة جبروت الآلهة.
أما على المستوى الموضوعي، تمثل شخصية بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية واحدة من أكثر الاستعارات والرموز عمقا في تاريخ الفكر الإنساني. فبروميثيوس، الذي يعني اسمه "التفكير السابق" أو "الحكيم" (عكس أخوه إبيميثيوس ويعني التفكير اللاحق)، هو "سارق النار" الذي تحدى إرادة زيوس واحتكاره لينتزع قبسا من السماء ويمنحه للبشر، فاتحا أمامهم جسورا للمعرفة، وموقدا بدواخلهم شرارات العقل، والوعي الصانع والمبدع. إذن، اختيار الاسم هنا، يتصل بطبيعة المشروع العلمي الذي تطمح إليه المجلة؛ فحقول العلم بمختلف تخصصاتها، هي في جوهرها، ليست معارف محايدة أو معزولة عن رهانات الوجود الإنساني، بل هي أدوات لفهم الإنسان في سياقاته التاريخية والثقافية والسياسية، ولتفكيك البُنى التي تنتج الهيمنة أو تعيد إنتاجها. إنها، بتعبير رمزي، استمرار لذلك الفعل البروميثي الذي ينقل "النار"(المعرفة) من فضاء الامتياز إلى فضاء التداول، ويجعلها حقا مشتركا على نحو عادل. لقد أنقذ بروميثيوس الإنسان من عصور الجهل الأولى، ومنحه القدرة على التفكير والتطوير، وأمدّه بالمهارات الفكرية والحرفية التي مكنته من بناء حضارته وتطوير جنسه، بعيدا عن سلطة الآلهة وهيمنتها، حتى أنه صار تمثيلا خالدا لانتقال الإنسان من حال الطبيعة (physis) إلى حال الثقافة والعلم (nomos) و(techne). في هذا السياق بالذات، تصبح شخصية بروميثيوس الميثولوجية رمزا كونيا للبحث العلمي، والسؤال المعرفي، والجرأة الفكرية، والقدرة على خرق المألوف وتحدي قسوة الظروف من أجل الارتقاء بوضع الإنسان وتسخير كلّ السبل لنجاحه.
أما على المستوى الموضوعي، تمثل شخصية بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية واحدة من أكثر الاستعارات والرموز عمقا في تاريخ الفكر الإنساني. فبروميثيوس، الذي يعني اسمه "التفكير السابق" أو "الحكيم" (عكس أخوه إبيميثيوس ويعني التفكير اللاحق)، هو "سارق النار" الذي تحدى إرادة زيوس واحتكاره لينتزع قبسا من السماء ويمنحه للبشر، فاتحا أمامهم جسورا للمعرفة، وموقدا بدواخلهم شرارات العقل، والوعي الصانع والمبدع. إذن، اختيار الاسم هنا، يتصل بطبيعة المشروع العلمي الذي تطمح إليه المجلة؛ فحقول العلم بمختلف تخصصاتها، هي في جوهرها، ليست معارف محايدة أو معزولة عن رهانات الوجود الإنساني، بل هي أدوات لفهم الإنسان في سياقاته التاريخية والثقافية والسياسية، ولتفكيك البُنى التي تنتج الهيمنة أو تعيد إنتاجها. إنها، بتعبير رمزي، استمرار لذلك الفعل البروميثي الذي ينقل "النار"(المعرفة) من فضاء الامتياز إلى فضاء التداول، ويجعلها حقا مشتركا على نحو عادل. لقد أنقذ بروميثيوس الإنسان من عصور الجهل الأولى، ومنحه القدرة على التفكير والتطوير، وأمدّه بالمهارات الفكرية والحرفية التي مكنته من بناء حضارته وتطوير جنسه، بعيدا عن سلطة الآلهة وهيمنتها، حتى أنه صار تمثيلا خالدا لانتقال الإنسان من حال الطبيعة (physis) إلى حال الثقافة والعلم (nomos) و(techne). في هذا السياق بالذات، تصبح شخصية بروميثيوس الميثولوجية رمزا كونيا للبحث العلمي، والسؤال المعرفي، والجرأة الفكرية، والقدرة على خرق المألوف وتحدي قسوة الظروف من أجل الارتقاء بوضع الإنسان وتسخير كلّ السبل لنجاحه.
تأسيسا على ما سبق، إذا كانت النار هي استعارة المعرفة في الميثولوجيا الإغريقية، فإن البحث العلمي الرصين في حقول المعرفة والإنسان هو "نار بروميثيوس" في عصرنا الراهن، حيث تواجه المجتمعات العربية تحديات كبرى تتطلب تفكيكا عميقا للبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية. لهذا الغرض تطمح المجلة إلى أن تكون امتدادا لرسالة بروميثيوس المعرفية، عبر: 1. توفير منصة أكاديمية رصينة للباحثين لنشر إنتاجاتهم العلمية في حقول الفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، والعلوم السياسية والقانونية، وغيرها من التخصصات المعرفية ذات الصلة. 2. الانخراط الفاعل في المجتمع العلمي، عربيا ودوليا، عبر استقطاب بحوث تتسم بالصرامة المنهجية، وتفتح آفاقا جديدة للحوار العلمي والنقد الأكاديمي البنّائين. 3. تحرير العقل البحثي من التبعية والاجترار، وتشجيعه على امتلاك أدواته الفكرية، والمساهمة في إنتاج معرفة أصيلة تستجيب لخصوصية السياق العربي والإنساني. لقد عوقب بروميثيوس لأنه أحب الإنسان ومنحه النور، ونحن راضون في هذا المشروع الأكاديمي أن نتحمل تبعات هذا الحب، عبر الالتزام بالمعايير العلمية والمنهجية الصارمة، والانحياز لقيم الحرية والعدالة الفكريّتين، والانتصار للمعرفة التي تخرج الإنسان من سراديب الجهل والتقليد إلى فضاءات النور والابتكار. نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يكون هذا العدد الأول خطوة مباركة على درب العلم والمعرفة.
المدير المسؤول ورئيس التحرير: د. سامي دقاقي
موعد إصدار العدد القادم :
22 فبراير 2026
آخر موعد لإستلام البحوث :
28 فبراير 2026
معلومات المجلة
الإسم : مجلة بروميثيوس للدراسات و الأبحاث
الإختصار : prometheus
تردد النشر: شهرياً
فترة التحكيم : من 4 إلى 10 أيام
رق8245إ78ع : 2022/830 ص
ISSN : 7840-5248
تقديم بحث للتحكيم والنشر
تُرسل البحوث الأصيلة والقابلة للنشر إلكترونياً إلى مجلة المعرفة للدراسات و الأبحاث
من خلال التواصل مع محرري المجلة بإرسال نسخة من البحث إلى بريد المجلة بصيغة الوورد (Microsoft Word)
prometheus@gmail.com